الرئيسية - النشرة - خاص| 4 عقود على انتفاضة السابع من محرّم والنظام السعودي إلى مزيدٍ من القمع والتمييز

خاص| 4 عقود على انتفاضة السابع من محرّم والنظام السعودي إلى مزيدٍ من القمع والتمييز

لا تزال قبضات الأيادي المرفوعة تأييداً لإرادة الله ورفضاً لسياسة السلاطين الجائرة قائمة إلى يومنا هذا منذ أربعة عقود، بعزائمٍ من وحيٍّ كربلائي وبقلبٍ حسينيّ أصيل خرج آلاف الحجازيين طلباً للإصلاح وهم يعلمون أي طرفٍ يواجهون. حكمٌ هزيلٌ رغم قوّته التي يتظاهر بها، سلاحه القتل والتدمير ولغته التصفية والإقصاء، ضعيفٌ إلى القدر الذي يخشى به معارض، بل كلمة، بل فكرة، فيظن أنّها راحلة برحيل صاحبها وهو الذي يعلم جيداً أننا أمةً تحيا بأفكار شهدائها بل إنها تعيش بنور هداتهم.

مرآة الجزيرة   –  زينب فرحات

في مثل هذه الأيام، تعود ذاكرة أهالي المحافظات الشرقيّة إلى السابع من محرّم 1400ه، الموافق 26 نوفمبر/ تشرين الثاني 1979، يوم انتفض الأهالي يداً بيد من مختلف المناطق في أجواءٍ عاشورائيّة أخرجت نموذجاً رائداً بدمج المفاهيم الدينية والتحرّك السياسي المطلبي، ثم سرعان ما اتّسعت رقعة التظاهرات لتجمع بين الشيعة والسنّة في مشهديّة تجسّد واقع من الإلتحام الشعبي ضد سياسات النظام السعودي خلافاً للنعرات الطائفية التي تحرص أدواته على منهجتها للتحريض ضد الطائفة الشيعية كي لا يتّحد الجميع ضده بل ليبقى الناس متناحرين في ما بينهم على أسباب غير موجودة بالفعل إنما أوجدها العقل الوهابيّ للإلتفاف على الحكم والإنفراد بالسيطرة على أيدولوجيا النظام. 

 لقد حمل المتظاهرون بين أيديهم في الإنتفاضة المجيدة التي واجهتها قوات النظام بقوّة السلاح، بوتقة من المطالب المحقّة، يأتي في طليعتها إطلاق سراح المعتقلين، الإعتراف بالحرية الدينية، وتوقف النظام السعودي عن التعاون مع الإستكبار المتمثّل بأمريكا ضد الثورة الإسلامية، بالإضافة إلى معالجة الأزمات التي يعاني منها المواطنين بما في ذلك السكن، البطالة، وخدمات الطبابة والتعليم.

من المعروف أن مثل هذه التحركات طبيعية جداً وتحصل في أكثر دول العالم تحضّراً، بل إن أمثال هذه الدول تتعاطى مع الحركات المطلبية السلمية كحافز لمراجعة الحسابات وتحسين الخدمات، أما في الدول القمعية كالسعودية فلا سقف لبطش النظام ضد المتظاهرين العزّل لثنيهم عن المطالبة بحقوقهم المشروعة وللتوغّل في سياسات التمييز والتهميش الطائفي والمناطقي. ولكم هي قريبةٌ أحداث الأمس باليوم ذلك أن المطالب هي ذاتها لا تزال تراوح مكانها منذ أربعين عاماً لكنها تُقابَل بمزيدٍ من القمع والوحشيّة. إذاً المشكلة لم تكن يوماً في نفس التحرّك إنما في الجهة التي يتم التحرّك ضدها والتي تفرض على المواطنين القبول بسياستها الظالمة بالقوّة، هي لا تريد الإصلاح إنما قتل المصلحين ومطاردة الذين يطالبون بالإصلاح الحقيقي، وحتى لا يكون المعنى مبهماً لسياسات الظلم لا بد من الوقوف قليلاً عند هذه النقطة. عندما نتحدث عن الشرقية فنحن لا نتحدث عن منطقة عادية إنما عن منطقة عائمة على بحور من النفط والثروات البيئية والطبيعية، هذه المنطقة تسلب ثرواتها في كل يوم لتعزيز مناطق أخرى ولإعمار قصور آل سعود، تُردم بحورها، ويُقلع نخيلها، وتُجرف بساتينها ومزارعها، لتبقى غارقة بفقرها وأزماتها الخدماتية والمعيشية، فما هو مبرر السلطات لأن يبقى الفقر المدقع ينهش ببلدة كالعوامية على سبيل المثال التي لا تزال الشوارع بها غير معبّدة والبيوت متهالكة ونسبة البطالة فيها مرتفعة جداً، في الوقت الذي تقبع فيه على كنوز من النفط ثم إن أي كلمة حق في هذا الخصوص تواجَه بالموت.  

الجدير للإشارة هنا، أن التحرّك ضد ممارسات النظام هو تكليف إلهي يلزم المضطهدين بالمطالبة بحقوقهم، وإن التلكؤ في هذا الأمر سيضاعف بلا شك من تلك الممارسات على حساب كرامة وأمن الشعوب المستهدفة، ولذلك فإن الله عزوجل عزّز كلمة الحق في وجه سلاطين الجور إلى أرقى منازل الجهاد حتى قال نبيّه محمد (ص): “أفضل الجهاد كلمة حق في وجه سلطان جائر” – وهو من الأحاديث المتفق عليها بين المسلمين سنة وشيعة – مهما كانت تبعات هذا الموقف ومآلاته، ففي نهاية المطاف لا شك أن هذه السلاطين سترتدع أمام قوّة الإرادة الصلبة والصمود، ومهما ارتكبت من جرائم وانتهاكات ستتوقف عندما تدرك أن المجاهدين في سبيل الله “لا يخافون في الله لومة لائم”.

لم تقتصر أشكال التمييز الممنهج ضد أبناء الطائفة الشيعية على صعيد الإنماء والتنمية، إنما بلغ بها الأمر إلى هدم منازل الناس وتهجيرهم، وتدمير أحيائهم كما حصل عام 2017 مع تدمير حي المسوّرة التاريخي الذي يمثّل ذاكرة أهالي القطيف وهويتهم، بذريعة إعادة تطوير الحي دون أخذ مشاورة الأهالي قبل هدم بيوتهم وتشريدهم، فضلاً عن عمليات تفجير المساجد التابعة للشيعة سواء في القطيف أو في مدن أخرى مثل الدمام ونجران والتي راح ضحيتها عشرات الشهداء.

واللافت أن وتيرة عنف السلطات تضاعفت خلال السنوات الأخيرة ضد أبناء القطيف بشكل غير مسبوق أي منذ حراك 2011، إذ جرى إعدام أحد أبرز علماء المحافظة الشيخ الشهيد نمر النمر لمجرّد أنه قرّر التعبير عن آرائه بسلمية تجاه ممارسات السلطات ضد أبناء المنطقة، لتتوالى إثر ذلك عمليات الإعدام العشوائية التي طالت أيضاً قاصرين وكبار سن بجرم التعبير عن الرأي والمشاركة بأنشطة سلمية. فيما خضع المعتقلين لمحاكمات صورية غير عادلة وأُجبروا على التوقيع على اعترافات منسوبة لهم لإدانهم بها تحت تهديد التعرّض لعوائلهم، والأخطر من ذلك هو تشويه سمعة المعتقلين والشهداء لتحويلهم إلى إرهابيين يعملون على الإخلال بأمن البلاد واستقرارها، وهم الذين حرصوا على تثبيت الأمن لكن ليس ذلك الذي يخضع لمزاجيّة السلطات إنما ذاك الذي ترسّخه تضحيات الشهداء بعزّة الصمود وكرامة الدماء.

إن استحضار انتفاضة السابع من محرّم في الواقع الحالي للأقليات الشيعية، بمثابة نموذج انطلاقة جديدة ضد هذا الواقع الذي لم يتغيّر منذ عشرات السنين على مختلف الصعد والمستويات، إنما ازداد مأساةً وتضاعفت وتيرة العنف الذي تمارسه السلطات، ولا شك أن في عاشوراء التي صعدت فيها الإنتفاضة تجسيدٌ أمثل للقيم والمفاهيم الدينية التي دفعت أبي عبدالله الحسين (ع) إلى الخروج على الحكم الظالم الذي عمد آنذاك إلى تشويه دين الله تعالى وقام باضطهاد الناس وإراقة دماء الأبرياء وسلب خزينة الدولة، تماماً كما يفعل النظام السعودي الذي يدّعي الإسلام لكنه لا يفقه شيئاً منه إنما يفعل كل ما من شأنه تدمير القيم والمفاهيم الإسلامية بفعل الخضوع لأعداء الإسلام والأمة أولاً وبسبب سرقة أموال المسلمين التي يهدرها آل سعود في مراكز الفسق والفجور فيما يجري تقديم جزءاً منها لأعداء الإسلام ويُقتل بها أيضاً المسلمين في اليمن وسوريا والعراق وكل مكان طالته مخالب الإرهاب السعودي. إن كل ما مضى مبررات للخروج على الحكم الظالم والقمعي ليس لأن المسلمين بخطر فحسب إنما لأن الإسلام برمّته مهدداً بالخطر إزاء هذا الترويج السيء للإسلام الوهابي الذي يعتنقه آل سعود.  

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك