الرئيسية - مقالات وأراء - مقالات - السعودية بين توجهين: الانتقام المدمر أو التصالح

السعودية بين توجهين: الانتقام المدمر أو التصالح

سعيد الشهابي

منذ أن بدأت الحرب على اليمن من قبل التحالف الذي تقوده السعودية انطلقت الدعوات المخلصة لوقفها لأسباب عديدة: اولها انها حرب جائرة لا تتوفر على شرعية قانونية او دينية، ثانيها انها لن تحسم الخلاف السياسي بين السعودية واليمن، ثالثها انها حرب لن ينتصر فيها اي من الطرفين بالضربة القاضية.


منذ اليوم الاول ارتفعت الاصوات المطالبة بوقفها، ولكن التحالف السعودي الاماراتي كان يصر على عدد من الامور: الاول: انجاح نمط تعامله مع ثورات الربيع، الثاني: في الحالة اليمنية، الاصرار على ما سمي «المبادرة الخليجية» التي اصرت على بقاء نظام علي عبد الله مع استبداله بنائبه عبد ربه منصور هادي، الثالث: توجيه ضربة قاصمة لارادة التغيير والتحرير لدى الشعوب العربية.

كان ذلك التحالف يصر على انهاء الربيع العربي بطريقته الخاصة: اجتياح البحرين عسكريا بمشاركة قوات سعودية واماراتية لمنع اي اصلاح سياسي، والاكتفاء بتغيير رئيسي مصر وتونس، وتحويل الحراك السوري الى حالة من العنف والفوضى ما تزال مستمرة حتى اليوم. وعندما حدث انفتاح نسبي في مصر بعد ازالة حسني مبارك، وانتخب المرحوم محمد مرسي للرئاسة تدخل التحالف السعودي الاماراتي بقسوة في العام 2015، ونجم عن ذلك ازاحته وسجنه حتى وفاته قبل شهور. وبرغم اختلاف وجهات النظر حول تقييم ثورات الربيع العربي في العام 2011 الا ان ما حدث كان خارج توقعات الانظمة العربية وداعميها في واشنطن ولندن. ولذلك استخدم ابشع الوسائل ليس لقمعها فحسب بل لمنع تكرارها مستقبلا. وربما كان ذلك ممكنا لو اجرت انظمة البلدان التي حدثت فيها حراكات ثورية بعض الاصلاحات في انظمتها السياسية واحترمت حقوق الانسان وانفتحت بشكل جاد على مواطنيها، واستمعت لشكاواهم وطورت اداءها السياسي والاداري. ولكن شيئا من ذلك لم يحدث، ومن المؤكد ان نضال الشعوب العربية من اجل التغيير لن يتوقف. هذه المرة قد يبدأ من مصر التي شهدت مؤخرا احتجاجات محدودة في عدد من المدن ضد حكم العسكر بقيادة عبد الفتاح السيسي.


المبادرة الخليجية في اليمن كانت تهدف لمنع تحول ديمقراطي حقيقي في النظام السياسي في ذلك البلد المحاذي للمملكة العربية السعودية. ولكن تلك المبادرة كانت سطحية، وسرعان ما تعرضت لتحديات داخلية عديدة انتهت بتوسع نفوذ جماعة «انصار الله» وسيطرتها على العاصمة وهروب الرئيس هادي منصور. وفي 26 آذار/مارس 2015 انطلقت الحرب بقيادة السعودية التي اعتقد زعماؤها انها لن تطول، نظرا للفارق الكبير في الميزان العسكري بين اغنى دولة في العالم العربي وافقرها. وبعد اكثر من اربعة اعوام من الحرب المتواصلة اصبح واضحا انها تحولت الى حرب استنزاف ستطول ما لم يحدث حل سياسي استبعدته السعودية والامارات. وربما كان التحالف الذي شن الحرب قادرا على الاستمرار في حرب استنزاف طويلة خصوصا مع وفرة المال النفطي والسلاح الانكلو امريكي والمقاتلين من كافة الاصقاع. ولكن ما حدث مؤخرا غير مجرى الحرب بشكل جوهري. فما جرى في لحظات قليلة صباح السبت 14 أيلول/سبتمبر 2019 لم يكن حدثا عاديا بل اعتبره البعض معادلا لما حدث في مثل هذه الايام قبل 18 عاما عندما فشلت الدفاعات الامريكية في وقف الاعتداء الذي نفذه تنظيم القاعدة على نيويورك وواشنطن. ولم يكن الهجوم بالطائرات المسيرة والصواريخ من قبل اليمنيين مفاجئا، بل كان استمرارا لنمط تصاعدي من القدرات العسكرية اليمنية لم يتوقعه احد. فالتفوق العسكري بين التحالف السعودي الاماراتي والقوات اليمنية كان هائلا، ولكن اتضح الآن انه غير ذي شأن، وان من يمتلك احدث الطائرات المقاتلة والقنابل والقوات البحرية والبرية كما لدى السعودية والامارات قد لا يحقق الانتصارات التي يحلم بها، وان قدرات الطرف الآخر على الدفاع عن النفس قد يرجح كفته برغم اختلاف الموازين المادية.

لقد هز الدمار الذي حدث في المنشآت النفطية العملاقة في كل من بقيق وخريص السعوديتين الثقة العالمية في القدرات العسكرية السعودية من جهة والدفاعات المتطورة الامريكية التي يفترض ان تحمي المنشآت وتدمر الاجسام المتفجرة التي تلقى عليها من جهة اخرى. لم يحدث ذلك بل ان اكثر من عشر طائرات مسيرة وعددا من صواريخ «كروز» اصابت اهدافها بدقة، وربما فاق نجاحها ما توقعه مطلقوها. فكيف يمكن احداث هذا الدمار الهائل الذي اوقف نصف الصادرات النفطية السعودية؟ ويتساءل الكثيرون: اين هو الباتريوت؟ اين هي الخطط العسكرية المتينة القادرة على التصدي لهجمات من هذا النوع؟ اين هي اتفاقات الدفاع المشترك؟ واين قوات درع الجزيرة؟ هذه الصدمة خفف منها امور عديدة: اولها ان السعودية لم تستطع ان تظهر قدرة سياسية او عسكرية متميزة. فملفها السياسي يكشف هشاشة بنيوية لا يمكن اصلاحها بسهولة لأنها اسست علاقاتها بالآخرين على المنفعة المادية فحسب. فعلى الصعيد الاسلامي اقامت علاقاتها مع الحركات الاسلامية التي تمثل ما يسمى «الاسلام السياسي» على اسس العداء والندية والرفض، وعلى مستوى العلاقات الاقليمية توترت علاقاتها مع جيرانها كافة، حتى بعض الدول الاعضاء بمجلس التعاون الخليجي مثل سلطنة عمان ودولة قطر، وحتى الكويت. ولم تستفد من علاقاتها مع ايران عندما تحسنت في النصف الثاني من التسعينيات وتعاونت معها لإقامة القمة الإسلامية في طهران في العام 1997. يومها كان الرئيس الايراني، محمد خاتمي ومعه الامير عبد الله بن عبد العزيز متعاونين لانجاح القمة، وكان الوضع واعدا بالمزيد من التعاون. ولكن ذلك لم يستمر طويلا، وسرعان ما حدثت حرب العراق الثانية في العام 2003 لتعود العلاقات المتوترة بين الرياض وطهران. كان هناك امل بتلاشي حالة الاستقطاب السياسي والمذهبي في المنطقة، وتطور العمل الاسلامي المشترك، غير ان الامور سارت باتجاه آخر. ثم جاء الربيع العربي ليبعد القطبين احدهما عن الآخر نظرا لتباين المواقف والسياسات ازاء العراق وسوريا والبحرين بشكل خاص. ولم تكن اوضاع اليمن يومها سببا لتوتر العلاقات او تكريس حالة الاستقطاب.


ليس جديدا القول بوجود صراع على النفوذ في الشرق الاوسط. فكافة الاطراف تسعى لتوسيع وجودها السياسي والاقتصادي. فمن كان يعتقد ان دولة الامارات ستمارس دورا يفوق حجمها اضعافا، فبعد البحرين تدخلت في مصر وليبيا واخيرا السودان؟ تركيا تسعى لتوسيع نفوذها الاقليمي كذلك. اما «اسرائيل» فمن اكثر المنافسين للدول العربية الاخرى على بسط النفوذ وتطبيع العلاقات مع الدول العربية، وايران المحاطة بثماني دول تسعى لحماية حدودها بتوسيع نفوذها سواء بالعلاقات مع حكومات الدول المجاورة ام الاحزاب والكيانات السياسية او الدينية. فلديها علاقات قوية مع افغانستان وباكستان والهند وتركيا. وعلى الجانب العربي تتمتع بعلاقات قوية مع العراق، كدولة وكيانات ومؤسسات دينية، وسوريا والكويت وقطر وعمان. وعلاقاتها متأرجحة مع الامارات التي سعت مؤخرا للتواصل معها بعقلية التعايش بدلا من المواجهة، ولها علاقات مضطربة مع السعودية والبحرين. اما السعودية فلديها سياسة مختلفة لتطوير علاقاتها مع الآخرين، وتعتمد الوفرة المالية اساسا لذلك، بدلا من الحوار والتفاهم والاعتراف المتبادل. ولذلك لا تستطيع التأثير على الدول الغنية الاخرى مثل الكويت والامارات وقطر، فهذه الدول تسايرها تفاديا للتصادم، وحتى الامارات التي قطعت شوطا كبيرا في تمتين العلاقة مع الرياض اصبحت تبتعد تدريجيا عنها.


ماذا بعد تفجيرات بقيق والخريص؟ ليس هناك مجالات واسعة لتصعيد الصراع الاقليمي الا اذا كان هناك قرار بفتح ابواب الحرب على مصاريعها. ومن المؤكد ان التطورات الاخيرة شجعت اليمنيين الذين شعر الكثيرون منهم ان السعودية والامارات تسعيان لبسط نفوذهما على بلدهم والسعي لتفتيته وانتهاك سيادته. التهم التي وجهت لإيران بمسؤوليتها عن التفجيرات لم يستطع احد تأكيدها حتى الآن بل اعتبرت محاولة لتبرير فشل الدفاعات السعودية، وقد استبعدت واشنطن الدخول في حرب معها، لقد كان اجدر بالسعوديين ان يعيدوا تقييم موقفهم ازاء الحرب في اليمن ويسعوا للانسحاب التدريجي من أتونها بعد اكثر من اربع سنوات من النزاع المدمر الذي استقر عند وضعه الحالي، بلا غالب او مغلوب. وبدلا من تصعيد العمل العسكري في الحديدة بهدف الضغط على اليمنيين، كان الافضل تغيير نمط التفكير بعيدا عن العمل العسكري والسعي للتوصل الى حل سياسي بعد ان اصبح حسمها عسكريا مستحيلا، واصبح استمرارها مدمرا للجميع وليس لليمنيين فحسب.

القدس العربي

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك