النشرةبارزتقارير

دراسة|سقطرى اليمنية: مفتاح البحار السبعة 2/2

مرآة الجزيرة

بعد سنوات من العدوان المفروض على اليمن، تحوّلت سقطرى إلى محل لنزاع قوى وتصارع على السلطة بين عدة أطراف كل يحاول تأكيد سيطرته عليها، رغم أنها كانت بعيدة عن المشاكل التي تدور في بقية الأراضي اليمنية منذ عام 2014. ذلك أن كل من الإمارات و”السعودية” لم توافقا على الحياد العماني في الحرب، بل أدى الخلاف على سقطرى ومناطق الجنوب اليمني لخلاف سعودي- إماراتي. هكذا تنطلق الباحثة في الشأن اليمني مودة اسكندر للحديث عن أطماع الدول الإقليمية والدولية في جزيرة سقطرى اليمنية ذات الموقع الإستراتيجي، وذلك في دراسة لها صدرت حديثاً عن المركز الإستشاري للدراسات والتوثيق تحت عنوان: “سقطرى مفتاح البحار السبعة”.

بدايةً، أوضحت الباحثة كيف راحت كل من الرياض وأبوظبي توسّع نفوذها في الجزيرة الإستراتيجية، مبينةً أنهما كانتا تتنافسان على إنشاء مشاريع إنماء وإعمار للجزيرة النائية، ونشر مشاريع اللوحات وأعلام البلدين في مختلف مناطق الجزيرة، رغم أن هذه المشاريع متناهية الصغر ومعظمها لم ينفذ، لكن الغاية من ذلك شراء ولاء أهالي الجزيرة.

الصراع على سقطرى أظهر مدى اختلاف المصالح بين “السعودية” والإمارات، وفق الباحثة ذلك أن تناقض الاستراتيجيات تُرجم في مواجهات مسلحة اندلعت بين أدوات البلدين في المحافظات الجنوبية.فحين نشرت “السعودية” قواتها في تشرين الثاني عام 2017، فسّرت الإمارات هذه الخطوة على أنّها محاولة سعودية للهيمنة على حصاد معركة التحالف فردّت بتعزيز سيطرتها على سقطرى. فيما رجّح كثيرون أن تكون خلفيات الخطوة الإماراتية محاولة لإضعاف ميناء عدن كمعبر للملاحة في بحر العرب يمكن يوماً ما أن ينافس دبي. فمصالح أبو ظبي الجيوسياسية طويلة الأمد تتعلق بمضيق باب المندب وشرق أفريقيا والمحيط الهندي بشكل عام، ولتقوية هذه المصالح على الإمارات التي ليس لها بحر أحمر ولا خليج عدن وليست قريبة من المحيط الهندي أن توجد موطئ قدم لها في خليج عدن وجنوب اليمن بما فيه سقطرى والقرن الأفريقي، تقول الكاتبة.

في هذه الأثناء دخلت عمان أيضاً إلى خط الأزمة، مع وقوع المهرة تحت التأثير السعودي وفرض الإمارات سيطرتها على سقطرى. فسارعت مسقط إلى تفعيل روابطها مع زعماء القبائل في سقطرى، في مسعى لمؤارزة الحكومة اليمنية وسكان سقطرى لمواجهة الإمارات. وهكذا عاشت الجزيرة رغم بعدها عن دائرة العدوان على صفيح ساخن من الاضطرابات المستمرة.

رغم إدراج كل المحافظات الجنوبية ضمن اتفاق الرياض الموقع بين حكومة هادي وقوات المجلس الانتقالي في تشرين الثاني عام 2019 فإن سقطرى لم ترد فيه وهكذا بقيت بعيدة عن الاشتباكات بين طرفي النزاع، لكن ما حصل في ما بعد أن القوات السعودية رفضت الإجابة عن مناشدات حكومة هادي لردع قوات أبو ظبي بعد تقدمها باتجاه حديبو. وفي نيسان عام 2020 أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي ضم أرخبيل سقطرى، إلى الإدارة الذاتية تمهيداً لإدارتها بعيداً عن حكومة هادي، فتمكن المجلس الانتقالي من السيطرة على مقر الشرطة الرئيس في حديبو. وعليه، لم تقدم الإمارات أي مبرر لتصعيدها العسكري في الجزيرة، لا بل عمدت ماكينتها الإعلامية إلى الترويج لمشاريع تنمية تقوم بها في سقطرى لإعطاء غطاء يوهم بأن التواجد هو مطلب شعبي. واتُّهمت “السعودية” بأنها سهّلت النفوذ الإماراتي في الجزيرة، بحسب الدراسة.

بالنسبة للرياض، بعدما أدركت أن تواجد أبوظبي قرب مضيق باب المندب بات هدفاً استراتيجياً ضمن سياسة الإمارات التي تخطّط لتواجد دائم في هذه الساحة. راحت تفكر بكيفية منع التأثير على مصالحها قرب مضيق باب المندب وفي محافظة المهرة وضعت “السعودية” خططاً لبقاء طويل الأمد عبر بناء ميناء نفطي في المحافظة الواقعة على الحدود العمانية لتجاوز مرور النفط عبر مضيق هرمز الحيوي حيث تهدد إيران بإغلاقه إذا ما زاد التوتر في الخليج.

ولقطر أيضاً مطامعها في سقطرى، فقد حاولت الدوحة تقديم عروض لليمن من أجل الاستثمار في أرخبيل سقطرى، واستئجار أجزاء واسعة من الجزيرة، غير أن المناقشات في الجانب اليمني لم تصل إلى اتفاق بسبب محاولات قطر الحصول على امتيازات فسرت على أنها تمس بالسيادة اليمنية، وذلك بالتزامن مع تصاعد الشكوك في أنها ستسمح لدول كبرى ببناء قواعد عسكرية.

تطرقت الباحثة كذلك إلى أطماع القوى الدولية في سقطرى، بدءً من روسيا. وذكرت أنه انطلاقاً من سعي السوفيات للحفاظ على تواجد بحري مستمر في منطقة البحر الأحمر ومن ضمنها الجزر اليمنية، بهدف خلق حالة من التوازن مع التواجد الأميركي ودعم قدراته على المشاركة المحلية بالمنطقة، تواجد أكثر من 2000 عسكري سوفياتي في جزيرة سقطرى باعتبارها مفتاحاً لمضيق باب المندب ونقطة الوصل بين اليمن والسواحل الأفريقية. الكاتبة لفتت إلى أن عودة روسيا إلى جزيرة سقطرى ستكون مقرونة بإمكانية إنشاء قاعدة بحرية منفصلة في السودان جرى الحديث عنها بين الرئيس السوداني السابق عمر البشير والرئيس الروسي عام 2017، وهو ما يعّزز قوة روسيا ليس فقط في خليج عدن ولكن في منطقة البحر الأحمر بأكمله.

بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية تزعم أن تواجدها في سقطرى ينضوي تحت عناوين منع تحويلها إلى بؤرة صراع إقليمي، فيما الهدف الأساس كما تقول الباحثة هو وقف التمدد الروسي في المنطقة، خاصة في ظل الحديث عن انسحاب لقواتها من العالم العربي. ولأن البحر الأحمر يمثل أقصر طرق النقل التجارية والعسكرية، أخذت الاستراتيجية الأميركية اتجاهاً آخر بعد الحرب العالمية الثانية تمّثل بزيادة قوتها البحرية مما أدى إلى ازدياد حالة التنافس مع البحرية السوفياتية.

البريطانيون أيضاً وجّهوا أنظارهم نحو جزيرة سقطرى، بوصفها جزءً من سياستهم الاستعمارية الرامية للإستيلاء على الجزر اليمنية ومنها هذه الجزيرة التي كانت ولا تزال هدفاً للإستعمار البريطاني منذ احتلالهم الجزيرة عام 1834، وقد ظلّت بريطانيا تحكم سقطرى بحسب معاهدة 1954 حيث أقامت مطاراً عسكرياً وميناءً ومنشآت لتسهيل سياستها، حتى خروج البريطانيين منها عام 1967.

اسكندر ذكرت أن الصين تملك طموحات اقتصادية واسعة عبر “طريق الحرير” الذي يمّثل بحر العرب واحدة من النقاط المهمة لهذا الطريق، وتبرز أهمية سقطرى باعتبارها تمّثل نقطة الالتقاء بين المحيط الهندي والبحر العربي في نيسان عام 2019 وقّعت الصين اتفاقاً مع الحكومة اليمنية للإنضمام إلى مبادرة الحزام والطريق وافتتح الصينيون عام 2017 أول قاعدة عسكرية لهم خارج حدودهم في جيبوتي (مقابل باب المندب من الجهة الأفريقية) لاستخدامها في إمداد سفن القوات البحرية قبالة سواحل الصومال واليمن.

إلى جانب مطامع القوى الإقليمية والدولية بجزيرة سقطرى، كان للكيان الصهيوني النصيب الأكبر من هذه الأطماع، ذلك أن اليمن يمثل كما توضح الكاتبة أحد المحاور الرئيسية في التحالف الإماراتي الإسرائيلي الجديد للسيطرة على البحر الأحمر وبحر العرب وخليج عدن، وعلى أهم ممر يربط بحر العرب بالبحر الأحمر وهو مضيق باب المندب الاستراتيجي الذي يربط الاحتلال الإسرائيلي بالجزر اليمنية ولا سيما سقطرى، ضمن استراتيجية يسعى من خلالها الكيان إلى تأمين طريق الملاحة على الخط الممتد من باب المندب وحتى ميناء إيلات. بالإضافة إلى الدور الاقتصادي، فإن الحضور العسكري الإسرائيلي في الجزيرة يحقق أهدافاً استراتيجية أيضاً من خلال تأمين السواحل الإسرائيلية وحمايتها والقيام بعمليات الإنزال البحري، والاستطلاع والمراقبة والقيام بعمليات التموين البحري، وإقناع الغرب بقيمة الدور الإسرائيلي في حماية مصالحها في المنطقة وضمان تدفق النفط إلى دول أوروبا القريبة.

بناءً على ما تقدم، عرضت الباحثة عدة سيناريوهات متوقعة لمستقبل الجزيرة اليمنية، أولها الحل الدبلوماسي للأزمة، وهو حل مستبعد، لأنه سيقضي بانسحاب أبوظبي عسكرياً من الجزيرة وتسليم كافة المواقع للسيادة اليمنية، لقاء ميزات اقتصادية في الجزيرة، وهو أمر مستبعد نظراً لأهداف الإمارات العابرة للحدود في المنطقة. السيناريو الثاني وهو سيطرة الإمارات عسكرياً واقتصادياً على سقطرى، وبالتالي تحقيق أحد أهم أسباب انخراطها في تحالف العدوان على اليمن، بهدف السيطرة والتحكم في الموانئ ومصادر الطاقة. أما السيناريو الثالث فهو خيار مرهون بتحريك حكومة هادي ورقة المجتمع الدولي في مواجهة المخطّطات الاستعمارية لأبو ظبي في الجزيرة.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى